ابراهيم بن عمر البقاعي
400
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
مضمونه وافق الواقع منه هذا الإخبار عنه ، ولما كان أشق ما فيه عليهم وأنكأ تخاصمهم جعله هو المخبر به وحده ، فقال مبينا له مخبرا عن مبتدإ استئنافا تقديره : هو تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ * لأنه ما أناره لهم إلا الشر والنكد فسمي تخاصما . [ سورة ص ( 38 ) : الآيات 65 إلى 70 ] قُلْ إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ ( 65 ) رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ ( 66 ) قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ ( 67 ) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ ( 68 ) ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ ( 69 ) إِنْ يُوحى إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 70 ) ولما كانت قد جرت عادتهم عند التخويف أن يقولوا : عجل لنا هذا إن كنت صادقا فيما ادعيت ، ومن المقطوع به أنه لا يقدر على ذلك إلا الإله فصاروا كأنهم نسبوه إلى أنه ادعى الإلهية ، قال تعالى منبها على ذلك آمرا له بالجواب : قُلْ أي لمن يقول لك ذلك : إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ أي مخوف لمن عصى ، ولم أدّع أني إله ، ليطلب مني ذلك فإنه لا يقدر على مثله إلا الإله ، فهو قصر قلب للموصوف على الصفة ، وأفرد قاصرا للصفة في قوله : وَما وأعرق في النفي بقوله : مِنْ إِلهٍ أي معبود بحق لكونه محيطا بصفات الكمال . ولما كان السياق للتوحيد الذي هو أصل الدين ، لفت القول عن مظهر العظمة إلى أعظم منه وأبين فقال : إِلَّا اللَّهُ وللإحاطة عبر بالاسم العلم الجامع لجميع الأسماء الحسنى ولو شاركه شيء لم يكن محيطا وللتفرد قال مبرهنا على ذلك : الْواحِدُ أي بكل اعتبار فلا يمكن أن يكون له جزء أو يكون له شبيه فيكون محتاجا مكافئا الْقَهَّارُ * أي الذي يقهر غيره على ما يريد ، وهذا برهان على أنه الإله وحده وأن آلهتهم بعيدة عن استحقاق الإلهية لتعددها وتكافئها بالمشابهة واحتياجها . ولما وصف نفسه سبحانه بذلك ، دل عليه بقوله : رَبُّ السَّماواتِ أي مبدعها وحافظها على علوها وسعتها وإحكامها بما لها من الزينة والمنافع ، وجمع لأن المقام للقدرة ، وإقامة الدليل على تعددها سهل وَالْأَرْضِ على سعتها وضخامتها وكثافتها وما فيها من العجائب . ولما كان القائل مخيرا كما قال ابن مالك في الكافية الشافية عند اختلاط العقلاء بغيرهم في إطلاق ما شاء من « من » التي أغلب إطلاقها على العقلاء و « ما » التي هي بعكس ذلك ، وكان ربما وقع في وهم أن تمكنه تعالى من العقلاء دون تمكنه من غيرهم لما لهم من الحيل التي يحترزون بها عن المحذور ، وينظرون بها في عواقب الأمور ، أشار إلى أن حكمه فيهم كحكمه في غيرهم من غير فرق بالتعبير عنهم ب « ما » التي أصلها وأغلب استعمالها لمن لا يعقل ، وسياق العظمة بالوحدانية وآثارها دال على دخولها في